كويت المجتمع

25 يوليو 2023

التجارة بالبشر في الكويت وتوفير بيئة عادلة وآمنة لعاملات المنازل

بقلم: كيلب ساندرز

 

 

تتوفر في الكويت العديد من المواقع المتخصصة في مجال الإعلانات والتي تعد وسيلة مهمة للتواصل والتبادل التجاري بين الأفراد والشركات. توفر هذه المواقع منصة إلكترونية سهلة الاستخدام لنشر الإعلانات والوصول إلى جمهور واسع من المهتمين. تتضمن هذه المواقع فئات متنوعة تشمل العقارات السيارات والوظائف والخدمات والمنتجات المستعملة والعديد من الأصناف الأخرى فضلاً عن الفلل والمباني التجارية والمكاتب. لكن في السنوات الماضية تم وضع اعلانات بيع العمالة المنزلية على تلك المواقع مما ينتهك حقوق الإنسان ويعتبر اتجاراً بالبشر. الاتجار بالبشر هي ظاهرة غير قانونية ومشينة تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية. في الكويت كما في بقية دول العالم يجب علينا العمل بكل جدية للتصدي لهذه الجريمة ومعالجة أسبابها وتداعياتها. عبر المواقع الإلكترونية المتخصصة في الإعلانات قد تنشأ فرص لاتجار العمالة المنزلية وبالتالي ينبغي علينا توعية الجمهور حول هذه المشكلة وتعزيز التوجيهات والضوابط لحماية حقوق العمال والعاملات. في هذه المدونة سنلقي الضوء على الاتجار بالعاملات المنزليات عبر المواقع الالكترونية المتخصصة في مجال الإعلانات والشركات التكنولوجية العملاقة مثل غوغل وتويتر التي لهم دوراً هاماً في تشكيل المناظر الإلكترونية. هذه المدونة أيضًا تركز على الدين الإسلامي حيث يمثل الدين جزءًا هامًا من ثقافة وقيم المجتمع ويعد دليلًا موجّها لسلوك الأفراد وتعاملهم مع بعضهم البعض. في الكويت وكغيرها من الدول يمثل الدين الإسلامي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية ويؤثر بشكل كبير على القيم والتصرفات.

تعد العمالة المنزلية من القضايا الهامة والمحورية في الكويت حيث تلعب دوراً كبيراً في دعم الأسر وتلبية احتياجاتها. مجالات مثل التنظيف والطهي ورعاية كبار السن.  ظهور العمل المنزلي في الكويت مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنمو السريع. بعد اكتشاف حقول النفط مع توسع الاقتصاد بدأت الأسر الكويتية تسعى لتلبية متطلبات نمط حياتها المتغير وتلبية احتياجات ثروتها المتزايدة. هذا أدى إلى زيادة الحاجة إلى المساعدة المنزلية من العاملين الوافدين. أحد التحديات الرئيسية التي تواجه العمالة المنزلية في الكويت هو نظام الكفالة الذي يربط وضعهم القانوني بأرباب عملهم. يمكن أن يخلق هذا النظام ضعفًا وتوازن القوى حيث قد يستغل بعض أصحاب العمل سلطتهم ويحجزون جوازات سفر العمال ويقيدون حركتهم. نظام الكفالة في الكويت مرتبط بشكل وثيق بمسألة بيع العمال المنازل على المواقع الإلكترونية. يمنح نظام الكفالة يمنح أصحاب العمل سيطرة وسلطة كبيرة على العمال. تؤدي هذه الديناميكية السلطوية إلى خلق بيئة ملائمة للاستغلال والاعتداء. يعتبر بيع العمال المنازل على المواقع الإلكترونية انتهاكًا لمبادئ حقوق الإنسان الأساسية وأيضًا تكريسًا لدورة الاعتداء والاستغلال. إنه يقلل من الفرد إلى مجرد سلعة يفتقر إلى الحرية الذاتية والقدرة على التصرف ويخضع لمزاجية مشتريه. إنها ممارسة مشينة تتجاهل الكرامة الأصيلة والقيمة الفطرية لكل إنسان. علاوة على ذلك تواجد حالات من المعاملة السيئة واستغلال العمال المنازل حدث شائع في الكويت.

هنالك العديد من المواقع الإلكترونية التي تقوم ببيع العاملات المنزليات ومنهم السوق المفتوح وإعلانات وبس وحراج وخادمتي من أهم روّاد المواقع الإلكترونية المتخصصة في مجال الإعلانات والتي تمكّن المستخدمين سواء كانوا بائعين أم مشترين من بيع وشراء مختلف السلع والمنتجات والخدمات خلال أقصر وقت ممكن وبأقل جهد يُذكر وسواء كانت حالة تلك المنتجات جديدة أم مستعملة. وحتى يسهل على المستخدم إيجاد ما يبحث عنه أو الإعلان عمّا يريد بيعه يوجد أقسام رئيسية وفرعية لعرض وتصفّح مختلف أنواع السلع والخدمات المتداولة بينهم وإتاحة التواصل المباشر فيما بينهم بكل سهولة. علاوة على ذلك يتم بيع العاملات المنازل عبر السوق المفتوح بأسعار تداول ما بين ٥٠٠ – ١٥٠٠ دينار كويتي. هذه الممارسة أيضا شائعة في المملكة العربية السعودية حيث يتعم عرض العاملات المنزليات للبيع بأسعار تتداول ما بين ٥٠٠ – ١٠٠٠ ريال سعودي. الممارسة المثيرة للقلق والمروعة لبيع العمال المنازل على المواقع الإلكترونية تنطوي على عرض البيانات الشخصية لهؤلاء العمال مثل الصور والجنسية ومدة إقامتهم في الكويت والأسباب التي يتم عرضها لبيعهم أو تبديل كفيلهم. هذه المواقع التي تعمل خارج الأطر القانونية تستغل ضعف العمال المنازل عن طريق التعامل معهم كسلع يتم تداولها. يتم استخدام المعلومات المعروضة لجذب المشترين المحتملين الذين يتم سحبهم بسمات العمال وخلفياتهم والمؤهلات التي يعتقدون أنهم يمتلكونها. تضمن إدراج تفاصيل شخصية مثل الصور والجنسية ليس فقط انتهاكًا للخصوصية والكرامة للعمالة المنزلية، ولكنه أيضًا يعزز ثقافة تجريم. من خلال تقليل الأفراد إلى مجرد تمثيلات بصرية وتسليط الضوء على أصلهم القومي تعزز هذه المواقع الصور النمطية الضارة والممارسات التمييزية. الأفراد الذين يشاركون في بيع العمال المنازل تتضمن مسؤولون حكوميون بما في ذلك ضباط الشرطة أو الأفراد الحاصلين على مناصب حكومية. في حالة واحدة ضابط شرطي قام ببيع عاملة منزل عبر موقع إلكتروني وقد نصح المشتري بمصادرة جواز سفر العاملة. يؤكد هذا التورط للأفراد ذوي السلطة والنفوذ في تعزيز خطورة هذه المسألة كما يسلط الضوء على طبيعة الاتجار بالبشر المعقدة. تؤكد تورط المسؤولين الحكوميين في بيع العمال المنازل على ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في النظام بما في ذلك تعزيز آليات المساءلة لمعالجة الفساد وسوء استخدام السلطة. يجب بذل الجهود لتحديد والتحقيق وملاحقة الأفراد المتورطين في هذه الممارسات الشنيعة بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم. بالإضافة إلى ذلك فإن زيادة الوعي بين افراد المجتمع بالارتباط بين المسؤولين الحكوميين والاتجار بالبشر أمر بالغ الأهمية. يشمل ذلك تثقيف الأفراد حول حقوقهم وتعزيز الشفافية والنزاهة داخل المؤسسات الحكومية وتعزيز ثقافة عدم التسامح مع الفساد والاستغلال.

أظهرت نتائج التحقيق السري الذي أجرته “بي بي سي نيوز عربي” حقيقة صادمة حول بيع وشراء العمال المنازل عبر الإنترنت في الكويت. كشف التقرير عن وجود سوق سوداء مزدهرة حيث يتم التعامل مع هؤلاء الأفراد الضعفاء كسلعة قابلة للتجارة. ظهرت العديد من المنصات التكنولوجية مثل متجر غوغل بلاي ومتجر تطبيقات أبل في دور الوساطة لهذه الممارسات غير القانونية على الرغم من وجود توجيهات تحظر ذلك. ممكن إيجاد هذه المواقع الإلكترونية عبر شركات تكنولوجية عملاقة مثل غوغل التي تلعب دوراً هاماً في تشكيل المناظر الإلكترونية وايضاً واجهت انتقادات بسبب المساهمة غير المقصودة في تمكين المواقع التي تبيع العمال المنازل. على الرغم من أن هذه المنصات قد لا تؤيد مباشرة أو تدعم هذه الأنشطة فإن خوارزمياتها وأنظمة الإعلانات التابعة لها تم استغلالها لتمكين ظهور وترويج الاتجار بالبشر. تتحمل الشركات التكنولوجية مسؤولية تأكيد أن منصاتها لا تسهم بشكل غير مقصود في انتهاكات حقوق الإنسان أو تصبح موطئ قدم للأنشطة غير القانونية. من خلال إعطاء الأولوية للاعتبارات الأخلاقية وحماية حقوق الإنسان يمكنهم المساهمة في بيئة على الإنترنت أكثر أمانًا ومسؤولية. علاوة على ذلك يعتبر التعاون بين شركات التكنولوجيا والحكومات ومنظمات المجتمع المدني أمرًا حاسمًا في مكافحة بيع العمال المنازل عبر الإنترنت. وذلك يشمل تبادل المعلومات وأفضل الممارسات والخبرات لوضع استراتيجيات شاملة تستهدف كلاً من جانبي المعروض والطلب في هذه المسألة. كما يتطلب ذلك مراقبة منتظمة وآليات تقديم تقارير ومساءلة لمسؤولية شركات التكنولوجيا في السماح لهذه المواقع بالعمل. علاوة على ذلك تم استغلال التواجد العالمي والطابع المجهول لتويتر من قِبل الأفراد والشبكات الإجرامية المتورطة في الاتجار بالبشر. فهم يستخدمون المنصة للإعلان والترويج لبيع العمال المنازل حيث يشاركون المعلومات الشخصية والصور وتفاصيل الاتصال للأشخاص الذين يبحثون عن عمل. تلك المنشورات تجذب المشترين المحتملين وتسهم في التجارة غير القانونية وبالتالي تزيد من دورة الاستغلال والإساءة. طبيعة تويتر غير المركزية مع ملايين المستخدمين والعديد من المنشورات تشكل تحديات كبيرة في رصد ومنع هذه الأنشطة بفعالية. ومع ذلك فمن الضروري أن يتخذ تويتر كشركة تقنية مسؤولة إجراءات أكثر قوة لاكتشاف وإزالة المحتوى المرتبط ببيع العمال المنازل والاتجار بالبشر. التعاون بين تويتر والأطراف ذات الصلة بما في ذلك جهات إنفاذ القانون ومنظمات حقوق الإنسان أمر حاسم في معالجة هذه المسألة. هذه الممارسة ايضاً تسمى بالعبودية الحديثة والتي تعد انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان.  من خلال تبادل المعلومات والموارد والخبرات يمكنهم وضع استراتيجيات لمكافحة بيع العمال المنازل على المنصة. علاوة على ذلك يجب التفاعل مع المجتمعات المتأثرة بالاتجار بالبشر وزيادة الوعي بين المستخدمين حول خطورة هذه المسألة للمساهمة في منعها.

بيع العمال المنازل عبر الإنترنت ليس فقط عملًا مشينًا بل يتعارض مباشرة مع تعاليم ديانة الإسلام وقيم وثقافة الشعب الكويتي. تعتبر اللطف والعطاء أحد أهم جوانب الثقافة الكويتية وتُعتبر معاملة الآخرين بكرامة واحترام جزءًا من قيمها الأساسية. يُولي الدين الإسلامي أهمية كبيرة للعدل والرحمة والمعاملة العادلة لجميع الأفراد بما في ذلك العمال المنازل الذين يحتلون موقعًا مهمًا بين الأفراد الضعفاء. أحد العوامل الأساسية التي تدعم استمرار هذه الممارسة هو تقليل قيمة العمال المنازل أو غير الكويتيين ومعاملتهم بأقل من الإنسانية. هذه التصورات تخلق بيئة تسمح للاستغلال وتعزز ظاهرة بيع العمال المنازل. لذا فإنه من الضروري أن ندرك القيمة الكامنة والأهمية لكل إنسان بغض النظر عن جنسيته أو وظيفته أو وضعه الاجتماعي. لمعالجة هذه المسألة يجب اتباع نهج شامل يشمل الإصلاحات القانونية والمبادرات التعليمية وحملات التوعية. يتطلب الأمر تنفيذ تنظيمات أكثر صرامة وفرض عقوبات أشد على المتورطين في بيع العمال المنازل عبر الإنترنت. بالإضافة إلى ذلك يجب تعزيز ثقافة الاحترام والتعاطف والمعاملة المتساوية لجميع الأفراد بغض النظر عن خلفياتهم. على المستوى الشخصي يمكن للأفراد المساهمة في تغيير هذه الوضعية من خلال الاهتمام بالعمال المنازل وضمان حقوقهم وكرامتهم وتقديم المساعدة إذا دعت الحاجة. وعلى المستوى الاجتماعي والحكومي يمكن تعزيز الوعي حول هذه القضية من خلال الحملات التوعوية والتعليمية. من المهم أن تلتزم الحكومات بتشديد القوانين وفرض عقوبات رادعة على المتورطين في هذه الأنشطة غير الأخلاقية والإجرامية. يجب توفير آليات للإبلاغ عن حالات الاستغلال والتجارة غير المشروعة وضمان الحماية للشهود والضحايا. باختصار يجب أن يكون التعاطي مع العمال المنازل والأفراد بشكل عام على أساس قيم الاحترام والعدل والرحمة وأن تعزز المجتمعات ثقافة التعاطف والتسامح والمساواة بين الجميع. بالإضافة إلى ذلك يجب أن تلعب المؤسسات التعليمية والدينية دورًا محوريًا في نشر الوعي والتثقيف بشأن هذه القضية. يجب تشجيع المجتمعات على دعم الجهود المحلية والدولية لمكافحة تجارة البشر والاستغلال والتمييز. من خلال هذه الجهود المشتركة يمكننا بناء مجتمع أكثر إنسانية وعادلة يُحترم فيه كل فرد ويتمتع بحقوقه وكرامته.

 

 

“الآراء ووجهات النظر المعبر عنها في هذه المقالة هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء كويت ايد نتورك.”

 

الأخبار والمدونة ذات الصلة