كويت المجتمع

25 يوليو 2023

رحلة المستقبل والضياع النفسي: التحديات التي تلاحق عاملات المنازل حتى الانتحار

بقلم: زايا سطاس

 

يعمل عمال المنازل في لبنان بلا كلل ولا ملل. وتلك الفئة من العمال يأتون في الأغلب من بلدان مثل الفلبين وإثيوبيا يتركون بيوتهم بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل. ومع ذلك وراء الأبواب المغلقة غالبًا ما يواجهون ظروف عمل شاقة واستغلالًا وعزلة. يُقدر أن حوالي ٢٥٠٠٠ عاملة منزلية مهاجرة تعمل في لبنان والغالبية منهن نساء من الدول الأفريقية وجنوب شرق آسيا بما في ذلك إثيوبيا والفلبين وبنغلاديش وسريلانكا. تبقى هذه العاملات خارج حماية قوانين العمل في لبنان ويُنظم وضعهن في البلاد بواسطة نظام الكفالة – وهو نظام هجرة قيد يتألف من قوانين ولوائح وعادات تقليدية تُربط إقامة العاملة المنزلية المهاجرة قانونيًا بصاحب العمل. تسلط هذه المدونة الضوء على السياق التاريخي ومحنة العمال المنازل والظروف المروعة التي تدفع بعضهم إلى اليأس. 

على مدى عقود شهدت لبنان تطوّرًا في العمالة الأجنبية حيث بدأت في الستينيات من خلال استقدام بنات قاصرات من عائلات فقيرة من الريف اللبناني للعمل في الخدمة المنزلية. كانت هذه الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين عشر سنوات وما فوق يحصلن على رواتبهن سنويًا بينما كن يبقين مع أرباب عملهن حتى يتم زواجهن.  ومع بدء الحرب الأهلية اللبنانية في عام ١٩٧٨ قرر العديد من العمال المنزليين العرب مغادرة لبنان بسبب الانخفاض الاقتصادي العام والأزمة الأمنية مما أدى بدوره إلى نقص في القوى العاملة المنزلية في البلاد. وشهدت الحالة تغييرًا عندما وصل عمال المهاجرين الأفارقة والآسيويين. اعتمد الاقتصاد اللبناني بشكل متزايد على اليد العاملة الوافدة في قطاعات مختلفة مثل البناء والزراعة بفضل دخول الأموال الخليجية إلى لبنان. في البداية كانت نسبة العمال المهاجرين الذكور هي الأعلى حتى بداية الثمانينيات وأوائل التسعينيات عندما بدأت ظاهرة زيادة تأنث قوة العمل المهاجرة في الظهور. ووصل المهاجرون في الغالب من سريلانكا والفلبين معًا في مجموعات كبيرة عبر قنوات غير قانونية ونصف قانونية. وتلقى العمالة المهاجرة دعمًا من الدول المرسلة بسبب تحويلات العملة الأجنبية التي ساهمت في تقليل ديون البلاد. وصل عدد العمالة المهاجرة إلى أعداد كبيرة في لبنان حيث بلغ تقديرات عام ١٩٩٨حوالي ١٠٠٠٠ سريلانكي ٣٠٠٠ هندي و٢٠٠٠ فلبيني و٤٠٠٠ مصري و٢٥٠٠٠ سوري. مع الزمن ازدادت الصعوبات الاقتصادية وانهيار النظام المالي في لبنان مما أدى إلى تدهور قيمة الليرة اللبنانية وأثّر على مردودات العمالة المهاجرة ودفع بالعديد منهم للتفكير في الهجرة بحثًا عن فرص أفضل في الخارج. علاوة على ذلك اليوم أكثر فئة من العمال المنزليين شيوعًا في لبنان هم الإثيوبيون والفلبينيون حيث يتجاوز عدد الإثيوبيين العاملين المنزليين ١٠٠٠٠ عاملات منازل وحول ٣١٩١٦ عاملة منزلية من الجنسية الفلبينية. العمال المنزليون الإثيوبيون والفلبينيين لهم تاريخ معقد وغالباً ما يكون مأساوياً في لبنان. يمكن تتبع وجودهم في البلاد إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي عندما عانت لبنان من نقص في القوى العاملة بسبب الحرب الأهلية. أدى هذا إلى زيادة الطلب على العمال المهاجرين وبدأ العديد من النساء الإثيوبيات والفلبينيات بالهجرة إلى لبنان بحثًا عن فرص عمل أفضل. للأسف كانت تجاربهم في لبنان غالباً ما تتسم بالاستغلال وسوء المعاملة. يجد العديد من العمال المنزليين أنفسهم محاصرين في حالات من العبودية الحديثة حيث يعملون ساعات طويلة دون راحة كافية في ظروف سكنية غير مناسبة ويتم حجز أجورهم. وغالباً ما يتعرضون للإساءة الجسدية واللفظية وفي بعض الأحيان حتى الاعتداء الجنسي من قبل أرباب العمل. 

عمال المنازل من إثيوبيا والفلبين يأتون إلى لبنان لأسباب عدة ويعود ذلك أساسًا إلى العوامل الاقتصادية وفرص التوظيف. إثيوبيا والفلبين كلاهما بلدان يعانيان من فروقات اقتصادية كبيرة ومعدلات عالية للبطالة. يسعى العديد من الأشخاص من هذين البلدين إلى تحقيق فرص اقتصادية أفضل في الخارج لدعم أسرهم وتحسين ظروفهم المعيشية. الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الفلبين واثيوبيا منخفض جداً. وهو قيمة الإنتاج الاقتصادي الإجمالي لبلد معين مقسومة على عدد سكانه. يستخدم هذا المؤشر لقياس مستوى الرخاء الاقتصادي والقدرة الشرائية للفرد في تلك البلدان. يعتبر الناتج المحلي الإجمالي للفرد مؤشرًا هامًا لمقارنة مستوى العيش بين دول مختلفة. لبنان بدخلها النسبي الأعلى تعتبر وجهة جذابة لهؤلاء الأفراد للعمل وإرسال الأموال إلى بلدهم الأصلي. المجتمع اللبناني مبني على هيكلية تعتمد غالبًا على المساعدة المنزلية لإدارة المنازل خاصة في المناطق الحضرية. وتشمل هذه الأدوار وظائف مثل مربيات الأطفال والعاملين في التنظيف والمرافقين لكبار السن ومهام أخرى في المنزل.

هناك الكثير من المحن والصعوبات التي يمرون بها العاملات الفلبينيات والإثيوبيات في لبنان والتي تؤدي الى الانتحار. علاوة على ذلك رغم أن نظام الكفالة الذي يتم تطبيقه في لبنان يهدف إلى تنظيم حركة العمال المهاجرين وتأمين الاستقرار الاجتماعي إلا أنه أدى إلى سماح استغلال العاملات وانتهاك حقوقهم من قبل كفلائهم. يتعرض العديد من العاملات الإثيوبيات والفلبينيات في لبنان لأجور منخفضة وتأخير أو عدم دفع رواتبهم مما يجعل من الصعب عليهن دعم أسرهم في بلدهم أو تلبية احتياجاتهم الأساسية. إذا لم يكن عدم دفع رواتبهم عائقاً فظروف المعيشة غير كافية. علاوة على ذلك هناك الكثير من العاملات الإثيوبيات والفلبينيات اللاتي يعيشن في سكنات رديئة موفرة من قبل أصحاب العمل. بسبب نظام الكفالة ونقص الحماية القانونية للعاملات يتعذر عليهن ترك وظائفهن أو تغيير كفلائهن عندما يواجهن صعوبات خارج نطاق سيطرتهن. هذه الظروف تضع العاملات في موقف مربك ويعانين من عدم حصولهن على حقوقهن الإنسانية الأساسية. ومن التحديات الأهمية التي يعانون منها هي الازمة الاقتصادية وارتفاع قيمة الدولار مقابل العملة المحلية فالكثير من العاملات فقدوا عملهن او تقلصت ساعات عملهم بسبب الازمة. هنالك العديد من القصص المؤلمة التي تحدثن عن ضحايا عاملات المنازل والتحديات التي لا مفر منها والتي تؤدي الى الانتحار. على سبيل المثال “ديشاسا” عاملة اثيوبية بالغة من العمر ثلاثة وثلاثين عاما قد انتحرت بعد أن شوهدت عبر فيديو نشر في مواقع التواصل الاجتماعية وهي تتعرض للضرب وتدفع بقوة للدخول إلى سيارة في العاصمة اللبنانية. ديشاسا كانت تصرخ وتقاوم رجل يدفعها إلى السيارة فيما يشاهدها المارة ويسجلون فيديو عبر جوالاتهم. علاوة على ذلك كانت ردة فعل المجتمع اللبناني على هذه الحادثة امر مثير للقلق فلم يهتم أي أحد لوضع العاملة، بل سجلوا فيديوهات عبر جوالاتهم. في حالة أخرى “تيغيست تاديسي” شابة اثيوبية بالغة من العمر ٢١ عاماً أتت إلى لبنان لمساعدة والديها وتحسين ظروفهم المادية. تيغيست تاديسي كانت تتعرض للتعذيب من قبل العائلة الكفيلة وروت لشقيقتها أكثر من مرة عن تعرضها للضرب فضلاً عن منعها من التواصل مع السفارة الإثيوبية وإجبارها على التكتم عن التعذيب. عائلة تيغيست تاديسي منعتها ان تعود إلى بلدها وكانت المدام الكفيلة تقوم بضربها بسبب مرضها وعدم قدرتها عن المشي.

هنالك تعب وشقاء يرافق عاملات المنازل في كل خطوة يخطوها قدماً على أرض لبنان. التضحية التي يقدمنها والجهود الكبيرة التي يبذلنها تتصارع مع الظروف القاسية والاستغلال الذين يعانين منه. تحمل قلوب هؤلاء النساء القوية أعباء الألم والتحديات. تبدو الحياة أمامهن كجحيمٍ لا يعترف بحدود فهن يواجهن تهديدات الظلم والظروف القاسية وكل ذلك دون أن يلقي عليهن وسائل الإعلام الضوء الذي يستحققنه. لم ينتحر هؤلاء العاملات، بل راحوا ضحية ممارسات غير إنسانية وإهمال من قبل كفلائهن الذين يفترض أن يكونوا حماة ورعاة لهن. ورغم تحملهن للألم والظلم يجب أن ننظر إلى هؤلاء الكفلاء بنظرةٍ تليق بجرائمهم فهم مجرمون بحق هؤلاء النساء العاملات.

 

 

“الآراء ووجهات النظر المعبر عنها في هذه المقالة هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء كويت ايد نتورك.”

 

الأخبار والمدونة ذات الصلة